الشيخ يد الله الدوزدوزاني التبريزي

173

دروس في تفسير القرآن (حول المعاد)

واجمال القصّة : أنّ اللّه أمر موسى أن يسافر في جانب البحر - مجمع البحرين - فيلقى عبداً هناك من عباده تعالى ، والمشهور أنّه الخضر ، وجعل للعثور عليه علامةً ، وهي إحياء الحوت في محلّ لقائه ، فيكون معنى الآية : فلمّا بلغ موسى ويوشع مجمع البحرين نسيا حوتهما ، واتّخذ الحوت سبيله في البحر سرباً ومسلكاً يذهب فيه ، ولا يخفى أنّ ظاهر قوله تعالى حكاية عن موسى ( ع ) : آتِنا غَداءَنا أنّ طعامهم هذا هو الحوت ، وكان مشويّاً معدّاً للأكل ، وكان يوشع قد جعله في مكتله ليرزقاه عند جوعهما . ويظهر من الآيات أنّ موسى ( ع ) قد أوصى يوشع بالمحافظة عليه وعدم تركه في محلٍّ ما ، وحيث إنّ إحياءه ودخوله الماء وأخذه مسلكاً فيه كانت لموسى علامة بأنّ العبد الذي امر بلقائه في مجمع البحرين يكون في ذلك المحلّ ، فكان لابدّ لموسى من أن يتفقّد الحوت ويسأل عن حاله ، فعليه يكون معنى قوله تعالى : نَسِيا حُوتَهُما هو : أنّ موسى نسي أن يسأل عن الحوت ، أصار حيّاً أم هو باقٍ على حاله ؟ ونسي كذلك يوشع أن يذكّر موسى ما وقع من عجيب أمر الحوت من صيرورته حيّاً ودخوله في الماء . إذا تقرّر ذلك أقول : إنّ ظاهر الآية أنّ موسى ويوشع النبيّ عرض لهما النسيان ، إلّا أنّه قد يقال : إنّ النسيان هنا بمعنى الترك ، وهو الظاهر من المجمع ، حيث قال في تفسير نَسِيا حُوتَهُما : أي تَركاه « 1 » . فيكون المراد : أنّهما إذا بلغا مجمع البحرين تركا حوتهما بالقرب من البحر بلا اهتمام لذلك ، فوقع في البحر واتّخذ سبيله في البحر سرباً ، ولا يخفى أنّه وان كان يحسن ذلك في يوشع إلّا أنّه لا يحسن ذلك في موسى ( ع ) ؛ لأنّه لم يكن محافظاً على الحوت ، ولم يكن في يده واختياره حتى ينسب الترك إليه .

--> ( 1 ) . مجمع البيان 5 - 6 : 741 .